الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
92
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
يفسر الوضع الأول بما لا يعتبر حال استعمال اللفظ في ذلك الوضع ملاحظة وضع آخر فلا يرد عليه ما ذكرنا وأنت خبير بأن إطلاق الوضع إنما ينصرف إلى وضع الحقائق فلو سلم تحقق الوضع المذكور في المجازية بناء على توقف صحة التجوز عليه فلا حاجة إلى التقييد المذكور وربما يورد على منعه بدخول الألفاظ التي وضعها الشارع مما لا ربط له بالشريعة كالأعلام الخاصة ونحوها مع أنها غير مندرجة في الحقيقة الشرعية ويدفعه ما هو ظاهر من اعتبار الحيثية في الحد ثم إن ظاهر الحد المذكور كغيره إنما ينصرف إلى ما كان الوضع فيه بتعيين الشارع فلا يشتمل ما إذا كان الوضع حاصلا بالتعيّن من جهة الغلبة وكثرة الاستعمال وأقصى ما يقال حينئذ إدراج ما يكون التعيين فيه حاصلا من جهة الغلبة الحاصلة في كلام الشارع بخصوصه ويبقى ما يكون التعيين فيه من كثرة استعمال المتشرعة في زمانه أو بمجموع الاستعمالين خارجا عن الحد مع اندراجه في الحقيقة الشرعية على ما نص عليه جماعة إلا أن يقال بأن الشارع لما كان هو الأصل في استعمالها في المعاني المذكورة وكان استعمال المتشرعة فرعا على استعماله أسند الوضع الحاصل من استعمال الجميع إليه وفيه أن أقصى ذلك أن يكون مصححا لإسناد الوضع إليه على سبيل المجاز فكيف يصح إرادته من غير قرينة ظاهرة عليه سيما في الحدود والتعريفات وكان الحد المذكور ونحوه من الحدود المذكورة في كلامهم مبني على اختيار كون الوضع فيها تعيينيا كما هو ظاهر مذهبهم ولو قيل إنها اللفظ المستعمل في المعاني الشرعية الموضوع لها في عهد صاحب الشريعة كان شاملا للوجهين هذا [ في تقسيم الموضوعات الشرعية . ] واعلم أن المحكي عن المعتزلة تقسيم الموضوعات الشرعية على وجوه أربعة وذلك لأنها إما أن يعرف أهل اللغة وضعها ومعناها أو لا يعرفون شيئا منهما أو يعرفون اللفظ دون المعنى أو بالعكس وخصوص الثلاثة الأخيرة بالدينية فهو أخص مطلقا من الشرعية بالمعنى الأول وربما يخص الشرعية بالأول وهو إطلاق آخر لها في مقابلة الدينية وأنت خبير بأنه لا وجود لقسمين من الأقسام الثلاثة الأخيرة إذ ليس في الألفاظ الشرعية لفظ اخترع لا يعرفه أهل اللغة فلا يكاد يتحقق كما اعترف به جماعة فلا يوجد من أقسام الدينية إلا الثاني إذ من الظاهر أن جعل المعاني الشرعية أو كلها أمور مستحدثة من صاحب الشريعة لا يعرفها أهل اللغة فلا يكاد يتحقق مصداق الحقيقة غير ما فرض حقيقة دينية فيتحد مصداق الحقيقتين في الخارج وحينئذ فلا يتجه جعل النزاع للحقيقة الدينية مغايرا للحقيقة الشرعية كما وقع في المختصر وغيره حيث أسند ثبوت الدينية إلى المعتزلة بعد اختياره القول بثبوت الشرعية وقد ظهر من ذلك ( يوجه ذلك ) بأن كثيرا من تلك المعاني أمور معروفة قبل هذه الشريعة ثابتة في الشرائع السابقة وهي معلومة عند العرب وربما يعبرون عن كثير منها بالألفاظ الشرعية أيضا إلا أنه حصل هناك اختلاف في مصاديق تلك المفاهيم بحسب اختلاف الشرائع كاختلاف مصاديق كثيرة منها في هذه الشريعة بحسب اختلاف الأحوال والمفهوم العام متحد في الكل فما لا يكون معروفا أصلا يكون مندرجا في الدينية وفيه تأمل إذ فيه بعد الغض عن صحة الوجه المذكور أنه لا ينطبق عليه ظاهر كلماتهم حيث نصوا على حدوث المعاني الشرعية ومع ذلك فمع البناء على كون النزاع في المسألة في الإيجاب والسلب الكليين كما سيجيء بيانه لا يتحقق وجه لما ذكر أيضا لاندراج الدينية إذن في الشرعية فيقول بها من يقول بها كليا ونفيها من نفيها كذلك إلا أن تخص الشرعية بما يقابل الدينية وهو خلاف ظاهر كلماتهم كما ينادي به ملاحظة حدودهم ثم إنه قد حكي عن المعتزلة أيضا أن ما كان من أسماء الذوات كالمؤمن والكافر والإيمان والكفر ونحوها حقيقة دينية بخلاف ما كان من أسماء الأفعال كالصّلاة والزكاة والمصلي والمزكى ونحوها والظاهر أنهم أرادوا بأسماء الذوات ما كان متعلقا بأصول الدين وما يتبعها مما لا يتعلق بالأعمال وبأسماء الأفعال ما كان متعلقا بفروع الدين مما يتعلق بأفعال الجوارح ونحوها وفيه حينئذ مع ما فيه من ركاكة التعبير أن دعوى الفرق بين ما كان متعلقا بأصول الدين وما يتعلق بالفروع بكون الأول مما لا يعرف أهل اللغة لفظه أو معناه بخلاف ما تعلق بالثاني من وضوح الفساد بمكان لا يحتاج إلى البيان والذي يتحصل من الكلام المذكور أن الحقيقة الدينية عندهم ما يتعلق بأصول الدين بخلاف ما تعلق بالثاني ويكون الشرعية أعم من ذلك إذ خصوص ما يتعلق بأفعال الجوارح بناء على الاحتمال المتقدم فتعبيرهم عنها بأنها ما لا يعرف أهل اللغة لفظها أو معناها أو كليهما فاسد كما عرفت وحيث إن الحقيقة الشرعية منسوبة إلى وضع الشارع كما هو قضية حدها المذكور وغيره أو ما هو أعم منه حسبما مر [ بيان المراد من الشارع . ] فبالحري أن نشير إلى معناه فنقول قد نص بعضهم بأن الشارع هو النبي صلى اللَّه عليه وآله بل عزى ذلك بعض الأفاضل إلى ظاهر كلام القوم وهو قضية ما ذكره في المقام وغيره فإن ثبت كونه حقيقة عرفية كما ادعاه بعضهم فلا كلام وإلا فإن أخذ اللفظ على مقتضى وضعه اللغوي فصدقه عليه لا يخلو من إشكال إذ كما هو ظاهر معناه بحسب اللغة هو جاعل الشرع وواضعه كما هو المتبادر منه فيختص به تعالى وقد قال تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا قال شرع لكم من الدّين ما وصى به نوحا الآية وقد ورد الشارع في أسمائه تعالى نعم إن فسر الشارع بمبين الشريعة صدق عليه صلى اللَّه عليه وآله وقد يستند في مجيئه بالمعنى المذكور إلى نصّ جماعة من أهل اللغة بكون شرع بمعنى سنّ وقد نص في القاموس بأن سنّ الأمر بمعنى بيّنه لكنه حينئذ يشمل الأئمة عليهم السلام بل سائر العلماء المبيّنين للشريعة والظاهر الاتفاق على عدم صدقه عليهم مضافا إلى أنه خلاف المتبادر منه في العرف ومجيء سنّ بمعنى بيّن على فرض ثبوته لا يستلزم مجيء شرع لذلك قلت ويمكن تصحيح صدقه عليه صلى اللَّه عليه وآله على كل من الوجهين المذكورين أما على الأول فإنه صلى اللَّه عليه وآله هو الذي جعل الشرع في الظاهر ووضعه بين الناس وإن كان من تعليم الإلهي وهذا القدر كاف في تصحيح صدقه عليه وأما على الثاني فيقال بأنه ليس المراد مطلق المبين للشرع لبعده عن الإطلاقات جدا فعلى فرض مجيئه بالمعنى المذكور ينبغي أن يراد به المظهر له من أول الأمر والمبين له بعد عدم ظهوره رأسا وكان مراده من تفسيره سن الأمر بمعنى بينه هو ذلك وحينئذ لا يصدق على الأئمة عليهم السلام والعلماء وكيف كان فالظاهر صدقه على الله تعالى أيضا على كل من الوجهين المذكورين وحينئذ فإن قلنا بأن الوضع منه تعالى أو من النبي صلى اللَّه عليه وآله